أوزبكستان الجديدة ودبلوماسية السلام

21:11 06 February 2026 Siyosat
121 0

تحظى المكانة النشطة التي تتبناها أوزبكستان في العلاقات الدولية، وآفاق تعاونها المتعدد الأبعاد الذي يزداد متانة مع الاتحاد الأوروبي، بتقدير عالٍ من قبل الخبراء الأجانب. وليس ذلك من قبيل المصادفة بطبيعة الحال. فاليوم، وبفضل سياستها الخارجية السلمية بحق، وانفتاحها على العالم، ودبلوماسيتها البراغماتية، تظهر البلاد في الساحة العالمية بصورة جديدة كليًا.

خلال فترة نشاطي الدبلوماسي في أوزبكستان من ربيع عام 2022 حتى خريف عام 2025، ركزت العلاقات الثنائية بين فنلندا ودول آسيا الوسطى، بما ينسجم مع سياسة الاتحاد الأوروبي، على تعزيز الاستقرار والازدهار في المنطقة، والترويج للحكم الرشيد وسيادة القانون، فضلاً عن تعميق الشراكة الاستراتيجية.

ويُعدّ اتفاق الشراكة والتعاون المعزّز الجديد بين الاتحاد الأوروبي وأوزبكستان أحد الأدوات الرئيسية لتحقيق هذه الأهداف. فبعد دخوله حيّز التنفيذ الكامل، سيوفر هذا الاتفاق أساسًا منهجيًا لتطوير الحوار السياسي، وتوسيع التعاون الاقتصادي، وتنفيذ الإصلاحات القطاعية.

ويتطلب التنفيذ الناجح لهذا الاتفاق تحديد أهداف واضحة وشفافة لعام 2026 وما بعده. وتشمل هذه الأهداف التنويع الاقتصادي، وتعزيز الاندماج في الأسواق العالمية والعلاقات الإقليمية مع دول الجوار، وتحقيق التنمية المستدامة، والانتقال إلى الاقتصاد الأخضر، والتحول الرقمي، إلى جانب التعاون في مواجهة التهديدات الأمنية مثل المخاطر السيبرانية، والإرهاب، والاتجار بالمخدرات.

وتؤدي منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) دورًا مهمًا في معالجة العديد من جوانب هذه الأولويات على المستويين الإقليمي والمحلي. وقد اختُتمت رئاسة فنلندا للمنظمة في نهاية عام 2025، تزامنًا مع الذكرى الخمسين لاعتماد «وثيقة هلسنكي الختامية». ولا تزال المبادئ الأساسية لهذه الوثيقة – الحرية، والتعاون، واحترام كرامة الإنسان – تحتفظ بأهميتها البالغة في البيئة الدولية الراهنة.

وفي إطار استراتيجية «أوزبكستان – 2030» والمفاهيم السياسية المرتبطة بها، جرى التأكيد في الوثائق الرسمية على أن صون كرامة الإنسان وشرفه يُعد مبدأً أساسيًا يحدد جميع أولويات سياسة الدولة.

وعلى صعيد التعاون الثنائي، تمتلك فنلندا فرصًا مواتية لمواصلة تطوير شراكتها مع أوزبكستان في عام 2026، استنادًا إلى نتائج الزيارات رفيعة المستوى التي جرت بين البلدين. ويمكن لهذه العلاقات أن تشكل نموذجًا ناجحًا للتعاون مع دول آسيا الوسطى الأخرى أيضًا.

التكامل الإقليمي والتنافس على الاهتمام العالمي

من أجل الحفاظ على اهتمام صُنّاع القرار على المستوى العالمي بصورة مستمرة، ينبغي أن يُظهر التعاون في آسيا الوسطى نتائج واضحة، قائمة على الأدلة، وملموسة الأثر. وعلى وجه الخصوص، فإن تعزيز التعاون الإقليمي بين دول آسيا الوسطى قد يكتسب أهمية حاسمة إذا ما أدى ذلك إلى تشكيل سوق إقليمي أكثر تكاملاً وترابطًا واستمرارية.

وقد بدأت عملية التكامل الإقليمي بالفعل في تحقيق بعض النتائج الإيجابية؛ إذ تشهد العمليات اللوجستية تحسنًا ملحوظًا، وتتيسر حركة التجارة، ويتعزز التعاون الإداري من خلال الحلول الرقمية. غير أن المنطقة لم تنجح بعد في استقطاب الاهتمام الكافي من وسائل الإعلام الدولية، ويعود ذلك جزئيًا إلى تعقيد أنظمة النقل والربط البيني. وفي الوقت ذاته، تتطلب العلاقات المؤثرة وطويلة الأمد القائمة مع كل من روسيا والصين اهتمامًا خاصًا. كما أن التطورات الجيوسياسية الراهنة قد زادت من أهمية الامتثال للمعايير الدولية وإدارة المخاطر بالنسبة للدول المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأسواق الإقليمية والعالمية.

ولا تزال التحديات الأساسية التي يواجهها المجتمع قائمة. فثمة حاجة ملحّة إلى إصلاحات هيكلية أعمق من أجل تعزيز القدرة التنافسية ودعم الابتكار. كما يظل ترسيخ سيادة القانون بشكل كامل مهمة محورية لضمان تكافؤ الفرص للأفراد والكيانات القانونية، ولا سيما في ظل هيمنة الاقتصاد الموجّه من قبل الدولة.

وقد قدمت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) حزمة من التوصيات المهمة لتحسين نظام الحوكمة العامة في أوزبكستان، شملت تطوير التخطيط الاستراتيجي، وتعزيز تنسيق السياسات، وزيادة الشفافية في عمليات التنظيم، إلى جانب الإصلاحات الرامية إلى تحقيق المساواة بين الجنسين. وتسهم جميع هذه التدابير في تنفيذ الأهداف المحددة في استراتيجية «أوزبكستان – 2030».

ويُعد ترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية، والترويج لوضع السياسات القائمة على الأدلة، وتوسيع مشاركة المواطنين، وضمان المساءلة، من الشروط الأساسية لبناء مجتمع أكثر شمولًا وازدهارًا. وتشكل هذه الإصلاحات أساسًا متينًا للتنفيذ الفعّال للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، وتحتل مكانة محورية في استراتيجية التنمية طويلة الأمد لجمهورية أوزبكستان.

رأس المال البشري والتعاون متعدّد الأبعاد

تتطلّب شريحة الشباب والقوى العاملة المتنامية بسرعة في أوزبكستان اهتمامًا إضافيًا بتنمية التفكير النقدي، وتعزيز روح المبادرة، والقدرة على الإبداع في معالجة القضايا، وإتقان اللغات الأجنبية، فضلاً عن ترسيخ الكفاءات المهنية. ويكتسب تحقيق التقدم المتوازن في مساري التحول الأخضر والرقمي أهمية متساوية، نظرًا لارتباطهما الوثيق بالاستقرار الاقتصادي. ومن هذا المنطلق، يبرز الدور المهم والقابل للتقدير الذي تؤديه القنصلية الفخرية لفنلندا في طشقند، مستندة إلى خبرة راسخة في مجالي الأعمال والأوساط الأكاديمية. فمنذ عام 2022، وبالتعاون مع الجامعة الدولية النوردية، يجري تشكيل منصة ابتكارية تهدف إلى تطوير رأس المال البشري وبناء شراكات في قطاع الأعمال، حيث توفّق هذه المنصة بين السعي إلى التميز في مجالي التعليم والبحث

العلمي، وتعزيز العلاقات التجارية العملية بين فنلندا وأوزبكستان.

وفي السياق ذاته، تتعاون فنلندا مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومركز سيادة القانون بجامعة هلسنكي من أجل دعم وترسيخ سيادة القانون في آسيا الوسطى. ويُولى في هذا الإطار اهتمام خاص للفئات الاجتماعية الأكثر احتياجًا، مع إقامة قنوات تعاون مع مؤسسة أمين المظالم (الأومبودسمان) التابعة للمجلس الأعلى.

كما تتوافر فرص واسعة للتعاون مع مؤسسة أمين المظالم للأعمال (Business Ombudsman)، المعنية بدعم القطاع الخاص والترويج للممارسات التجارية الشفافة. وفي هذا الصدد، تمضي أوزبكستان قدمًا نحو اعتماد نموذج «النافذة الواحدة» في تقديم الخدمات للأعمال، بما يسهم في تبسيط الإجراءات وتوسيع الفرص المتاحة لرواد الأعمال.

وتُعدّ عملية التنويع الاقتصادي أولوية استراتيجية، إذ يشكّل تطوير القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، مثل تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الزراعة والغاز الطبيعي وقطاعات المواد الخام، عاملًا حاسمًا لتحقيق الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل. ويمكن للشركات الفنلندية أن تقدم مشروعات نوعية تستند إلى هذا النهج.

وفي عام 2025، وخلال فترة رئاسة فنلندا لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، قامت وزيرة الخارجية السيدة إلينا فالتونِن بزيارة إلى طشقند، حيث التقت بقيادة الدولة العليا، إلى جانب طلبة جامعة الاقتصاد العالمي والدبلوماسية، وهم من الكوادر المستقبلية المتخصصة في السياسة الخارجية.

ويجري تنفيذ استراتيجية فنلندا تجاه آسيا الوسطى وفقًا لبرنامج الحكومة، مع الإقرار المتزايد بالأهمية الاستراتيجية والتجارية-الاقتصادية المتنامية للمنطقة. وفي هذا الإطار، يُسلَّط الضوء بشكل خاص على تقنيات التعدين الصديقة للبيئة، وقضايا التحول الرقمي في إطار مبادرات الربط ضمن برنامج الاتحاد الأوروبي «البوابة العالمية – Global Gateway».

وتحتل آسيا الوسطى مكانة متزايدة الأهمية في التقارير الأوروبية المعنية بالرصد والتقييم، سواء من حيث أهميتها الإقليمية بالنسبة للاتحاد الأوروبي، أو علاقاتها مع القوى الكبرى، أو دور تركيا، أو آفاق التعاون الإقليمي وسياسة الجوار، أو تطور الأسواق، أو وضع اتفاقية الشراكة والتعاون المعزّز بين الاتحاد الأوروبي وأوزبكستان، فضلًا عن المبادرات الدولية الجديدة.

ويشارك أصحاب المصلحة الفنلنديون بفعالية في المشاورات السياسية والندوات واللقاءات المتخصصة المتعلقة بآسيا الوسطى، حيث تسهم كثافة هذه الاتصالات في استكمال آليات التعاون الاقتصادي القائمة على المستوى الحكومي. كما تتواصل الشراكات التنموية من خلال مشروعات محددة ومشتركة بين المؤسسات، مع إيلاء اهتمام خاص لتقييم المجالات التي يمكن أن تحقق فيها الموارد البشرية والإمكانات المحدودة أكبر أثر ممكن. وتوفر مبادرات الربط بين الاتحاد الأوروبي وآسيا الوسطى، بما في ذلك برنامج «TAIEX»، فرصًا إضافية في مجالي إدارة الموارد المائية والتحول الرقمي.

وتتركز أنشطة الدبلوماسية العامة وبناء الصورة الوطنية على قضايا التعاون الإقليمي، والتعليم، والمناخ والبيئة، وسيادة القانون، والمساواة. وقد أسهم مؤتمر القناصل الفخريين لآسيا الوسطى، الذي عُقد في هلسنكي، في تعزيز تبادل المعلومات. كما ساعدت المبادرات الثقافية المشتركة، ولا سيما المعرض المتنقل للصور الفوتوغرافية الملتقطة خلال رحلات كارل غوستاف إميل مانرهايم في آسيا الوسطى، في تنشيط التعاون بصورة إضافية.

ويجدر التأكيد بشكل خاص على أن قادة الدول المشاركين في قمة «آسيا الوسطى – الاتحاد الأوروبي»، التي عُقدت في مدينة سمرقند في 4 أبريل 2025 جددوا التزامهم بتعميق التعاون وصولًا إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، استنادًا إلى استراتيجية الاتحاد الأوروبي تجاه آسيا الوسطى لعام 2019 وخطة تنفيذها لعام 2023.

وقد أعلن الاتحاد الأوروبي عن حزمة استثمارية بقيمة 12 مليار يورو في إطار مبادرة «Global Gateway»، تشمل مجالات المواد الخام الحيوية، والمياه، والطاقة، والمناخ، والنقل، والربط الرقمي. وتترقب دول آسيا الوسطى الآن استثمارات ملموسة تدعم سلاسل القيمة المحلية وتعزز القدرة على التكيف مع التغير المناخي، بما في ذلك مبادرات مثل «الحزام الأخضر لبحر آرال»، التي تُنفذ وفق معايير اختيار صارمة.

ومن المشجّع أن يتحول الزخم السياسي، بدعم من المؤسسات المالية الدولية والشبكات المؤسسية القوية، إلى تعاون عملي واضح وملموس، لما لذلك من أهمية حاسمة في المرحلة الراهنة.

القيم المشتركة والاستدامة

يشهد النظام الدولي اليوم حالة متزايدة من عدم الاستقرار، وتصاعد النزاعات الإقليمية، وتراجع منسوب الثقة المتبادلة بين الدول. وفي ظل هذه الظروف، يواصل رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف طرح رؤية سياسية متماسكة تهدف إلى تعزيز السلام على المستويين الإقليمي والعالمي. وتعكس خطاباته في منظمة الأمم المتحدة وغيرها من المنابر الدولية الكبرى نهجًا دبلوماسيًا وإنسانيًا إزاء قضايا الأمن العالمي، بما يسهم في ترسيخ التعاون بين دول آسيا الوسطى وخارجها على حد سواء.

وفي يونيو 2019 وخلال القمة الخامسة لمؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا (CICA)، شدد الرئيس شوكت ميرضيائيف، وهو يطرح مبادرات تتعلق بالتعليم، ومشاركة الشباب، والقضايا البيئية، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، على أن ضمان الوصول إلى التعليم الجيد والوقاية من التطرف يمثلان شرطين أساسيين لتحقيق الاستقرار والازدهار. كما دأبت أوزبكستان على دعم الجهود الرامية إلى تحقيق السلام، بما في ذلك المفاوضات الهادفة إلى استقرار الأوضاع في أفغانستان، والمساعي الرامية إلى إحلال السلام في الشرق الأوسط من خلال الحوار والتكامل الاقتصادي.

ويؤكد الرئيس شوكت ميرضيائيف باستمرار أن السلام لا يعني مجرد غياب الحرب، بل هو تعاون قائم على الثقة المتبادلة بين الدول والشعوب. وتجسد مبادرة سمرقند، ودعم إعلان السنة الدولية للسلام والثقة، والمقترحات المتعلقة بالدبلوماسية البراغماتية، هذا النهج بوضوح. ويضع الرئيس كرامة الإنسان في صميم سياسة السلام، رابطًا إياها ارتباطًا وثيقًا بالعدالة وحقوق الإنسان. كما تسهم المبادرات الهادفة إلى تعزيز دور الشباب، وتطوير الحوار بين الأديان، وتوسيع آفاق التعاون الإنساني في ترسيخ هذا التوجه الإنساني.

ويحظى الدور البنّاء الذي تؤديه أوزبكستان في مجالي الوساطة وتعزيز الحوار باعتراف متزايد من قبل قادة المنطقة والمراقبين الدوليين. وفي الدراسات والتحليلات الأكاديمية، تُقيَّم سياسة السلام التي ينتهجها الرئيس شوكت ميرضيائيف بوصفها نموذجًا شاملًا يسهم في دعم الاستقرار الإقليمي والعالمي.

وعلى سبيل المثال، أظهرت تجربة المصالحة الناجحة في وادي فرغانة بجلاء الاستراتيجية الإقليمية التي يعتمدها قائد أوزبكستان في معالجة النزاعات من خلال الحوار، وبناء الثقة، والتعاون العملي. ومن خلال تفضيل نهج التوافق على المواجهة، أسهمت أوزبكستان إسهامًا ملموسًا في تخفيف حدة التوتر في إحدى أكثر مناطق آسيا الوسطى حساسية وتعقيدًا.

وبوجه عام، فإن الجهود الرامية إلى ترسيخ الدبلوماسية القائمة على الثقة، وتعزيز التعاون الإقليمي، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، قد سرّعت من وتيرة تحويل آسيا الوسطى إلى فضاء للسلام، والتعاون، وحسن الجوار.

وفي ظل البيئة الدولية المعقدة الراهنة، تظل السياسات القائمة على السلام والتعاون الخيار الأكثر موثوقية. وتشكل السياسة الخارجية المنفتحة لأوزبكستان، وشراكتها الاستراتيجية مع فنلندا والاتحاد الأوروبي، والتزامها بالتضامن الإقليمي، أساسًا متينًا لتحقيق التنمية المستدامة.

فالسلام ليس حلمًا مجردًا، بل هو ثمرة إرادة سياسية متواصلة، ودبلوماسية قائمة على الثقة، وتعاون صادق. ويستند المستقبل الآمن والمزدهر إلى هذه القيم المشتركة.

إيلكا رايسانِن

السفير الفنلندي السابق فوق العادة والمفوض لدى أوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان،

مستشار الشؤون الخارجية في المجلس الأوروبي للجوار،

أستاذ فخري في الجامعة الدولية النوردية.

اخترنا لكم

Comments

No comment yet. Maybe you comment?